النويري
394
نهاية الأرب في فنون الأدب
وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض ، مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته ، وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشئ ولا يفعله ، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة « 1 » في شئ من تبليغه وشريعته ، ويقدح في صدقه ؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا ، وإنما هذا فيما يجوز طروّه عليه في أمر دنياه التي يبعث بسببها ، ولا فضّل من أجلها ، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر ، فغير بعيد أن يخيّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ، ثم يتجلى عنه كما كان . وأيضا فقد فسّر هذا الحديث الآخر من قوله : « حتى يخيّل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهنّ » . وقد قال سفيان « 2 » : وهذا أشدّ ما يكون من السحر ، ولم يأت في خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول ، بخلاف ما أخبر أنه فعله ولم يفعله ، وإنما كانت خواطر وتخيلات . وقد قيل : إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل لشئ أنه فعله ، وما فعله لكنه تخييل لا يعتقد صحته ، فتكون اعتقاداته كلها على السّداد ، وأقواله على الصحة . قال : هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث . قال : لكنه قد ظهر لي في هذا الحديث تأويل أجلى وأبعد من مطاعين ذوى الأضاليل يستفاد من نفس الحديث ، وهو أن عبد الرزاق قد روى هذا الحديث عن ابن المسيّب ، وعروة بن الزبير ، وقال فيه عنهما : سحر يهود بنى زريق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فجعلوه في بئر حتى كاد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن ينكر بصره « 3 » . ثم دلَّه اللَّه على ما صنعوا ، فاستخرجه من البئر . فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما يسلَّط على ظاهره وجوارحه ، لا على قلبه واعتقاده وعقله ، وأنه إنما أتى في بصره ، وحبسه عن وطء
--> « 1 » الداخلة : النقيصة والعيب والفساد . « 2 » هو ابن عيينة كما صرح به في سنده في البخاري . « 3 » أي ما أبصره ، أو ينكر نفس رؤيته لتأثير السحر فيه ( شرح الشفاء ) .